الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
490
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأجناس لا محالة ، إذ هي من أسماء المعاني التي لا آحاد لها في الخارج فهي أسماء أجناس لا نكرات ، ولذلك لا يحتمل نفيها إرادة نفي الواحد حتى يحتاج عند قصد التنصيص على إرادة نفي الجنس إلى بناء الاسم على الفتح ، بخلاف نحو لا رجل في الدار ولا إله إلا اللّه ، ولهذا جاءت الرواية في قول إحدى صواحب أم زرع « زوجي كليل تهامه لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة » بالرفع لا غير ، لأنّها أسماء أجناس كما في هذه الآية . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح لنفي الجنس نصّا فالقراءتان متساويتان معنى ، ومن التكلّف هنا قول البيضاوي إنّ وجه قراءة الرفع وقوع النفي في تقدير جواب لسؤال قائل هل بيع فيه أو خلّة أو شفاعة . والشفاعة الوساطة في طلب النافع ، والسعي إلى من يراد استحقاق رضاه على مغضوب منه عليه أو إزالة وحشة أو بغضاء بينهما ، فهي مشتقة من الشفع ضد الوتر ، يقال شفع كمنع إذا صيّر الشيء شفعا ، وشفع أيضا كمنع إذا سعى في الإرضاء ونحوه لأنّ المغضوب عليه والمحروم يبعد عن واصله فيصير وترا فإذا سعى الشفيع بجلب المنفعة والرضا فقد أعادهما شفعا ، فالشفاعة تقتضي مشفوعا إليه ومشفوعا فيه ، وهي - في عرفهم - لا يتصدّى لها إلّا من يتحقّق قبول شفاعته ، ويقال شفع فلان عند فلان في فلان فشفّعه فيه أي فقبل شفاعته ، وفي الحديث : « قالوا هذا جدير إن خطب بأن ينكح وإن شفع بأن يشفع » . وبهذا يظهر أنّ الشفاعة تكون في دفع المضرة وتكون في جلب المنفعة قال : فذاك فتى إن تأته في صنيعة * إلى ما له لا تأته بشفيع ومما جاء في منشور الخليفة القادر باللّه للسلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي « ولّيناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة ، بشفاعة أبي حامد الأسفرائيني » ، أي بواسطته ورغبته . فالشفاعة - في العرف - تقتضي إدلال الشفيع عند المشفوع لديه ، ولهذا نفاها اللّه تعالى هنا بمعنى نفي استحقاق أحد من المخلوقات أن يكون شفيعا عند اللّه بإدلال ، وأثبتها في آيات أخرى كقوله - قريبا - مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير إليها بقوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] وفسّرت الآية بذلك في الحديث الصحيح ، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات الشفاعة